رحلة طلاب ساجر إلى معرض الرياض الدولي للكتاب
نظّمت مدارس محافظة ساجر، بالتعاون مع عدد من المعلمين والمعلمات، رحلة طلابية مميزة إلى معرض الرياض الدولي للكتاب في نسخته الأخيرة، وذلك ضمن الأنشطة اللامنهجية الهادفة إلى ربط الطلاب بالثقافة العامة وصناعة الكتاب. جاءت الرحلة بعد جهود استمرت أسابيع طويلة لتجهيز التصاريح اللازمة، وحجز الحافلات، واختيار المرافقين التربويين، فضلًا عن التنسيق مع إدارتي التعليم والجهة المنظمة للمعرض. شارك في الرحلة عشرات الطلاب والطالبات من مختلف المراحل الدراسية، ترافقهم كوكبة من أعضاء هيئة التدريس الذين حرصوا على توفير تجربة تعليمية متكاملة خارج أسوار الفصل الدراسي. %D8%B9%D9%86 %D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9.
اعتُبرت هذه الزيارة امتدادًا لمسيرة المبادرات الثقافية التي تنظّمها المدارس سنويًا، لكنها تميّزت هذه المرة بكونها أوسع من حيث عدد المشاركين، وأكثر تنظيماً من حيث الجدول الزمني والأنشطة المصاحبة. عبّر المنظمون عن أملهم في أن تترك الرحلة أثرًا إيجابيًا في نفوس الطلاب، وأن تُسهم في تعزيز شغفهم بالقراءة والاطلاع على الإصدارات الجديدة في مجالات الأدب والعلم والتاريخ. كما أشاروا إلى أن الرحلة تأتي في سياق توجه عام لدى المؤسسات التعليمية نحو تفعيل الشراكة مع الفعاليات الثقافية الوطنية، بما يعود بالنفع على الطالب والمجتمع المدرسي.
الرحلة من ساجر إلى العاصمة
انطلقت الحافلات في ساعات الصباح الأولى من نقطة تجمع مركزية في ساجر، وسط أجواء من الحماس والترقّب بين الطلاب الذين لم يسبق لأغلبهم زيارة العاصمة بمثل هذا الحجم من النشاط الثقافي. رافق الطلاب عدد من المرشدين التربويين الذين قدّموا لهم إرشادات مفصّلة حول السلوك داخل المعرض، وآليات الاستفادة من الجولات، فضلًا عن توزيع نشرة صغيرة تضمنت أسماء أبرز دور النشر المشاركة وأهم الفعاليات المقرّرة خلال اليوم. وُزّعت على الطلاب حقائب ثقيلة حملت فيها كتبًا تعرّفهم بتاريخ معرض الكتاب وتطوره عبر السنوات.
لم تقتصر الرحلة على مجرد الانتقال من نقطة إلى أخرى، بل حوّلها المرافقون إلى فرصة للتعلّم والمرح في الوقت نفسه. توقف الطلاب في إحدى المحطات على الطريق لتناول وجبة الإفطار والتقاط الصور التذكارية، فيما يستمعون إلى شروحات موجزة عن معالم الطريق وأهمية المنطقة الوسطى في تكوين المملكة. أسهم هذا التوقف في تخفيف وطأة الرحلة الطويلة، وخلق ذكريات مشتركة بين الطلاب ستكون محلّ حديث في الأيام التالية. وروى بعض الطلاب فيما بعد كيف أن هذا التوقف البسيط كان من أجمل لحظات الرحلة.
حين وصلت الحافلات إلى موقع المعرض في واجهة الرياض، استقبل الطلاب مشهدًا مهيبًا لقاعات العرض المترامية الأطراف، وخيام الناشرين، واللافتات العملاقة التي تزيّن المداخل. وزّع المنظمون الطلاب على مجموعات صغيرة، وكلّفوا كل مجموعة بطالب قائد ومسؤول من الكادر التعليمي، بهدف تسهيل التنقّل وضمان عدم فقدان أي طالب وسط الزحام الكبير الذي يشهده المعرض عادةً. خُصّص لكل مجموعة مسار محدّد مسبقًا يضمن لها زيارة أهم الأقسام دون إرهاق، مع إتاحة هامش من الحرية للتجوّل الفردي في حدود زمنية معينة.
أجواء المعرض وأروقته
يستقبل معرض الرياض الدولي للكتاب سنويًا مئات الآلاف من الزوّار من داخل المملكة وخارجها، وتحتضن قاعاته دور نشر محلية وعربية ودولية تعرض أحدث إصداراتها في شتى فروع المعرفة. تجوّلت مجموعات طلاب ساجر في الأروقة المختلفة، حيث شاهدوا كتب الأطفال والمقررات المدرسية، والمؤلفات الأدبية والعلمية، والسلاسل الثقافية التي صُمّمت خصيصًا للناشئة. توقّفوا طويلًا أمام ركن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، وركن هيئة الأدب والنشر والترجمة، حيث تابعوا عروضًا تقديمية عن برامج القراءة والإبداع الموجّهة للشباب.
تميّزت قاعة الأطفال بأجواء خاصة جذبت الطلاب الصغار، إذ ضمّت ركنًا للرسم الحر، وآخر لقراءة القصص بصوت مرتفع، إضافة إلى مسرح دمى تفاعلي قدّمت فيه شخصيات محبوبة من التراث السعودي حكايات مشوّقة. لم يتردد الطلاب في المشاركة في ورش العمل المصغّرة التي نظّمتها القاعة، حيث تعلّوا صنع علامات القراءة بأشكال مختلفة، وصمّموا أغلفة كتب بأيديهم بأسلوب بسيط. أبدى كثير منهم دهشتهم من حجم المعرض وتنوّع محتوياته، معربين عن رغبتهم في العودة مرة أخرى في أقرب فرصة ممكنة.
في الجهة المقابلة، زارت المجموعات ركن البيع المباشر الذي شهد طوابير طويلة من الزوّار الراغبين في اقتناء نسخ من الكتب بأثمان مخفّضة. وزّع بعض المعلمين على الطلاب مبالغ صغيرة لتشجيعهم على شراء كتب بأنفسهم، ليأخذوا معهم إلى بيوتهم ذكريات ملموسة من الرحلة. تُعدّ هذه اللحظة من أبرز اللحظات في الزيارة، إذ تُرسّخ في ذاكرة الطالب شعورًا بالاستقلالية والاختيار، وهي قيم يرتبط تعزيزها بالقراءة والثقافة بشكل مباشر. وحرص المرافقون على أن يوثّق الطلاب عملية الشراء بصور تذكارية.
برامج ثقافية وتعليمية للطلاب
لم يكن معرض الكتاب مجرد سوق للكتب، بل تميّز ببرنامج ثقافي حافل اشتمل على ندوات ومحاضرات وحوارات مفتوحة شارك فيها كتّاب ومفكّرون سعوديون وعرب. حضر الطلاب عددًا من الجلسات الموجّهة للأطفال والناشئة، حيث استمعوا إلى قراءات من قصص حديثة، وإلى أحاديث عن أهمية القراءة في بناء الشخصية وتنمية المهارات اللغوية. قدّم أحد الكتّاب الشباب جلسة حوارية بعنوان "كيف تكتب قصتك الأولى"، استقطبت اهتمام المراهقين من طلاب ساجر بشكل خاص.
شارك الطلاب كذلك في ورشة تفاعلية حول تقنيات السرد القصصي، نظّمتها إحدى المؤسسات الثقافية المتخصصة في أدب الطفل. تعلّم الطلاب خلال الورشة كيف يبنون بداية قصصية مشوّقة، وكيف يختارون شخصياتهم وأماكن الأحداث بحرفية واضحة. خرج الطلاب من الورشة بذكريات جميلة، وبقصاصات صغيرة دوّنوا عليها أفكارهم الأولى لقصص قد يطوّرونها لاحقًا. يُعدّ هذا النوع من الأنشطة من أهم مخرجات الرحلة، إذ ينقل الطالب من موقع المتلقي إلى موقع المبدع.
في ختام الجولة، أُقيمت جلسة ختامية مع الطلاب داخل قاعة مخصصة، استعرض فيها المعلمون أبرز ما شاهدوه في المعرض، ودار نقاش مفتوح حول أكثر الكتب جذبًا لانتباههم، وأبرز الشخصيات التي التقوها على مدار اليوم. اختُتم النقاش بتوصيات بضرورة تكرار الرحلة في الأعوام القادمة، وتوسيع قائمة المشاركين لتشمل مراحل دراسية إضافية، وربط ما شاهده الطلاب بمشاريع مدرسية لاحقة. واتفق المعلمون على إعداد تقرير تفصيلي يُرفع إلى الإدارة التعليمية لتوثيق التجربة والاستفادة منها مستقبلًا.
إصدارات ودور نشر لاقت اهتمام الطلاب
لفتت أنظار الطلاب مجموعة من الإصدارات السعودية الحديثة التي تتناول تاريخ المملكة وتراثها الوطني، إضافة إلى كتب علمية مبسّطة في مجالات الفضاء والبيئة والتقنية المتقدمة. توقّفوا طويلًا أمام ركن دار جامعة الملك سعود للنشر، حيث اطّلعوا على إصدارات أكاديمية تلامس اهتمامات المرحلة الثانوية. كما أبدوا إعجابهم بالسلاسل القصصية المصوّرة التي تنتجها دور النشر المحلية، والتي تمزج بين الترفيه والتعلّم بأسلوب يناسب أعمارهم المختلفة.
سأل الطلاب الناشرين عن أسرار صناعة الكتاب، وتعرّفوا على مراحل إعداده من الفكرة الأولى حتى الطباعة والتوزيع. أبدى بعضهم رغبة في تعلّم فنون التحرير والنشر مستقبلًا، معتبرين أن المهنة تجمع بين حبّ القراءة والإبداع الأدبي في آنٍ واحد. دوّن الطلاب في دفاترهم الصغيرة أسماء كتب أعجبوا بها، لتُصبح قوائم مبتغى عند العودة إلى ساجر وزيارة المكتبات المدرسية والمكتبات العامة المنتشرة في الأحياء.
حظيت كتب الأطفال المصوّرة باهتمام لافت من الطلاب الأصغر سنًا، إذ تصفّحوا صفحاتها بحماس، وسألوا عن إمكانية اقتنائها ضمن مكتبة المدرسة. وسرّهم أن يكتشفوا وجود كتّاب سعوديين شباب يوقّعون نسخًا من كتبهم في المعرض، ويلتقطون الصور مع الجمهور في مشاهد لا تنسى. ولعلّ هذه اللحظات من أكثر اللحظات تأثيرًا في بناء علاقة شخصية بين الطالب والكتاب، إذ ينظر إلى الكتاب لاحقًا بوصفه صديقًا قابله ذات يوم في معرض.
انطباعات الطلاب والمعلمين
عبر الطلاب عن سعادتهم الكبيرة بهذه الرحلة، مؤكدين أنها تجاوزت توقّعاتهم من حيث الحجم والتنظيم. قال أحد طلاب المرحلة الثانوية إنه لم يتخيّل أن يكون المعرض بهذا الاتساع، وإنه قرّر البدء بكتابة يوميات شخصية عن قراءاته. أما طالبات المرحلة المتوسطة، فقد أشدن بأجواء قاعة الأطفال التي منحت تجربة قراءة ممتعة بعيدًا عن ضغوط المنهج المدرسي. عبّر آخرون عن فخرهم بأن محافظتهم، رغم صغرها، تحرص على إيفاد طلابها إلى هذا الحدث الثقافي الكبير.
من جانبهم، أبدى المعلمون المرافقون ارتياحهم لسير الرحلة بسلاسة، مثمنين دور أولياء الأمور الذين سمحوا لأبنائهم بالمشاركة، وجهود إدارة المدرسة التي سهّرت كل الإجراءات. وأكد أحد المعلمين أن الرحلة نجحت في تحويل الطلاب إلى قراء نشطين، مشيرًا إلى أنّ كثيرًا منهم عادوا إلى منازلهم وفي أيديهم كتب اختاروها بأنفسهم لأول مرة في حياتهم. وأوضح آخر أن مثل هذه الزيارات تخلق ثقافة مدرسية جديدة، تجعل القراءة فعلًا ممتعًا وليس واجبًا مفروضًا.
لم تغب عن الرحلة روح المسؤولية الاجتماعية، حيث حافظ الطلاب على نظافة الأروقة، والتزموا بالتعليمات، وتعاونوا مع فرق التنظيم في المعرض بكل احترام. أثنى المسؤولون في المعرض على سلوك الطلاب وانضباطهم، وهي شهادة تركت أثرًا إيجابيًا في نفوسهم، وجعلتهم يشعرون بأنهم سفراء حقيقيون لمحافظتهم في العاصمة. ودوّن بعض الطلاب هذه الكلمات في دفاترهم باعتبارها لحظة فخر يعتزون بها.
أثر الزيارة على المجتمع المحلي
تركت الرحلة أثرًا ملموسًا في ساجر بعد عودة الطلاب، إذ بدأت المكتبات المدرسية تشهد إقبالًا غير معتاد على الكتب، وتنظّم المدرسة جلسات قراءة جماعية أسبوعية شارك فيها الطلاب المتحمّسون. كما بادر عدد من الطلاب إلى تشكيل نادي قراءة صغير تحت إشراف أحد المعلمين، يجتمعون فيه لمناقشة الكتب التي اشتروها من المعرض، وتبادل التوصيات بشأن إصدارات جديدة. يُعدّ هذا النشاط من أهم المكتسبات التي خرجت بها الرحلة، إذ يضمن استدامة أثرها على المدى البعيد، ويجعل القراءة ممارسة اجتماعية ممتعة.
تفاعل أولياء الأمور مع الرحلة بإيجابية، حيث عبّر كثير منهم عن تقديرهم لهذه المبادرة، وطالبوا بتكرارها في الأعوام القادمة. ودشّن بعضهم مبادرات شخصية لشراء كتب إضافية لأبنائهم، في تأكيد على أن الرحلة نجحت في تغيير النظرة إلى الكتاب داخل البيوت. بدأت بعض الأسر تخطط لزيارة المعرض مستقبلًا في عطلات نهاية الأسبوع، لتجربة القراءة معًا في أروقته. وتحدّث عدد من الأهالي عن رغبتهم في تنظيم رحلات عائلية مشابهة تعيد ربط الأجيال الجديدة بالكتاب.
تُعدّ هذه الرحلة نموذجًا يُحتذى به في ربط التعليم المدرسي بالفعاليات الثقافية الوطنية، وهي دعوة مفتوحة للمؤسسات التعليمية الأخرى في المنطقة لتبنّي مبادرات مماثلة. ويمكن للمهتمّين بمتابعة آخر أخبار المبادرات الثقافية والتعليمية في ساجر الاطلاع على صفحة ساجر لمعرفة المزيد من الأنشطة والفعاليات التي تهمّ أبناء المحافظة. تبقى الصحيفة منبرًا قريبًا من هموم المجتمع المحلي وطموحاته، وتعمل على إبراز كل مبادرة تستحق التوثيق والاهتمام.
